نصر حامد أبو زيد
177
الاتجاه العقلي في التفسير
فإذا تركنا هذه الجوانب ، وجدنا ابن قتيبة يميل إلى الارجاء بالمعنى السني الذي وجدناه عند مقاتل بن سليمان ، فمعنى الايمان عنده هو التصديق . ولا تكاد تخرج معاني الايمان في القرآن عنده عن وجوه المعاني التي عرض لها مقاتل في كلمة ايمان 139 . ولتأكيد اتفاقه مع مقاتل فيما ذهب إليه نلاحظ أنه عند تفسير قوله تعالى : خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ يتوقف وقفة طويلة ، ويقترح ثلاثة تأويلات للآية . أمّا التأويل الأول فهو يتفق مع المعتزلة على أن ارتباط الخلود بدوام السماوات والأرض لا يعني انقطاعه « وللسماء والأرض وقت يتغيران فيه عن هيئتهما » 140 لكنهما خالدتان وليستا زائلتين . أمّا الاستثناء فتأويله أن « إلّا في هذا الموضع بمعنى « سوى » ومثله في الكلام : لأسكنن في هذه الدار حولا إلّا ما شئت . تريد سوى ما شئت أن أزيد على الحول » 141 ومعنى ذلك أن الاستثناء لا يعني انقطاع الخلود في الجنة أو النار وإنما يعني أنه دائم « سوى ما شاء اللّه أن يزيدهم من الخلود على مدة العالم . أمّا الوجه الثاني فهو « أن يجعل دوام السماء والأرض بمعنى الأبد ، على ما تعرف العرب وتستعمل ، وإن كانتا تتغيران ، وتستثنى المشيئة من دوامهما ، لأن أهل الجنة وأهل النار قد كانوا في وقت من أوقات دوام السماء والأرض في الدنيا لا في الجنة ، فإنه قال : خالدين في الجنة وخالدين في النار دوام السماء والأرض ، إلّا ما شاء ربك من تعميرهم في الدنيا قبل ذلك » 142 وهذا الوجه أيضا لا يختلف عمّا قاله المعتزلة ، والمتأخرون منهم خصوصا القاضي عبد الجبار والزمخشري . أمّا الوجه الثالث من وجوه التأويل - وهو الذي يهمنا فيما يتصل بارجاء ابن قتيبة - هو أن يكون الاستثناء من الخلود مكث أهل الذنوب من المسلمين في النار حتى تلحقهم رحمة اللّه ، وشفاعة رسوله ، فيخرجوا منها إلى الجنة » 143 وننتهي من ذلك كله إلى أن معنى « المتشابه » عند ابن قتيبة لم يقتصر على الآيات الخلافية ، بل اتسع ليشمل كل ما هو غامض أو محل للطعن أو التشكيك ، سواء من الوجهة الكلامية ، أو اللغوية ، أو النحوية ، أو البلاغية وكانت نتيجة ذلك كله أن « المتشابه » لا يخضع عنده للمحكم ، وإن خضع للتأويل المجازي بمعنى عام . وإذا كنا قد لاحظنا أنه ردّ قوله تعالى وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ إلى قوله وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فإن ذلك لم يصدر - في الغالب - عن تصور كامل لضرورة رد المتشابه إلى المحكم . ومعنى ذلك أن قانون « المحكم والمتشابه » كأساس لعملية التأويل ، واستخدام المجاز كأداة من أدوات التأويل ، هو مسلك اعتزالي صرف ، نقله غير المعتزلة عنهم وحاولوا بذلك الرد عليهم بنفس أدواتهم وأسلحتهم .